البكري الدمياطي
385
إعانة الطالبين
وباب كل من داخل الأخرى . أعاذنا الله والمسلمين منها . ( قوله : وحشرنا في زمرة المقربين ) الحشر بمعنى الجمع ، وفي بمعنى مع ، وزمرة - بضم الزاي - بمعنى جماعة . ويحتمل أن المراد بالحشر الدخول ، وفي باقية على معناها . وعلى كل فإضافة زمرة لما بعد للبيان . والمعنى على الأول : وجمعنا مع جماعة هي المقربون من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين المذكورين في آية : * ( أولئك مع الذين أنعم الله عليهم ) * الخ . وعلى الثاني : أدخلنا فيهم ، والمراد جمعنا معهم في دار السلام أو أدخلنا فيهم ، وذلك لنستمتع في الجنة برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم ، وإن كان مقرهم في الدرجات العلى بالنسبة إلى غيرهم ، ولذلك سبب وهو محبتهم واقتفاء آثارهم ، لما أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ، والضياء المقدسي في صفة الجنة ، وحسنه عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء رجل إلى النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله : إنك لأحب إلي من نفسي ، وأنك لأحب إلي من ولدي ، وأني لاكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك . فلم يرد عليه النبي ( ص ) حتى نزل جبريل بقوله تعالى : * ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) * . وفي رواية : عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي ( ص ) عن الساعة فقال : متى الساعة ؟ قال : وما أعددت لها ؟ قال : لا شئ إلا أني أحب الله ورسوله . فقال : أنت مع من أحببت . قال أنس فأنا أحب النبي ( ص ) وأبا بكر وعمر ، وأرجو أن أكون معهم . والمراد بالمعية في الحديث المذكور وفي الآية التردد للزيارة والحضور للتأنس بهم ، مع أن مقر كل منهم الدرجات التي أعدها الله لهم ، وليس المراد أنهم يكونون في درجة واحدة ، لأنه يقتضي استواء الفاضل والمفضول في الدرجة ، وليس كذلك ، بل يكون كل في درجة . ولكن يتمكن من رؤية غيره والتردد إليه . اللهم امنحنا حبهم ، واحشرنا في زمرتهم آمين . ( وقوله : الأخيار ) جميع خير - بشد الياء وتخفيفها - كأموات جمع ميت - مشددا ومخففا - ، وهم الذين اختارهم الله واصطفاهم . ( وقوله : الأبرار ) جمع بر ، أو بار من البر وهو الاحسان ، يقال بره يبره - بفتح الباء وضمها - فهو بر وبار ، وذكر بعضهم أن جمع البار : بررة ، وجمع البر أبرار ، والمراد بهم الأولياء والعباد والزهاد ، وقيل المراد بهم المؤمنون الصادقون في إيمانهم سموا أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء والبنات ، كما أن لوالديك عليك حقا ، كذلك لولدك عليك حقا ، فالبر بالآباء والأمهات الاحسان إليهم وإلانة الجانب لهم ، والبر بالأبناء والبنات أن لا يفعل فيهم ما يكون العقوق . ( قوله : وأسكننا الفردوس ) أي جعل سكنانا الفردوس ، وهو أفضل الجنان وأوسعها كما تقدم سببا في أول الكتاب ، ولا بد من تقدير مضاف قبل الفردوس : أي قربه أو جواره ، لأنه خاص بالمصطفى ( ص ) كما في شرح منظومة أسماء أهل بدر . ( قوله : من دار القرار ) أي دار استقرار المؤمنين وثباتهم ، ومن تبعيضية متعلقة بمحذوف حال من الفردوس : أي حال كونه بعض دار القرار الذي هو الجنة ، وهو يفيد أنها متعددة : أي تحتها أنواع ، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم أيضا أول الكتاب ، واستدل لذلك بحديث رواه عن النبي ( ص ) أنه قال : الجنان سبع : دار الجلال ، ودار السلام ، وجنة عدن ، وجنة المأوى ، وجنة الخلد ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم . وذهب بعضهم إلى أنها واحدة ، والأسماء كلها صادقة عليها ، إذ يصدق عليها جنة عدن أي إقامة ، ودار السلام لسلامتهم فيها من كل خوف وحزن ، ودار لخلودهم فيها وهكذا ، وعليه فمن بيانية ، أي الفردوس الذي هو دار القرار . ( قوله : ومن علي ) يطلق المن على الانعام والاحسان ابتداء من غير حساب ، ومنه قوله تعالى : * ( لقد من الله على المؤمنين ) * الآية . ويطلق على تعداد النعم كقولك : فعلت مع فلان كذا وكذا ، ومنه قوله تعالى : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * . وهو حرام إلا من الله والنبي والأصل والشيخ . والمراد به هنا الأول وإن كان الثاني يصح إطلاقه على الله : أي أنعم علي وأحسن إلي تفضلا منه لا وجوبا عليه . وفي تعبيره هنا بعلي وتعبيره فيما قبله بنا دليل
--> ( 1 ) سورة مريم ، الآية : 58 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 69 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 164 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 264 .